{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ}. ولهذا يقول الناس على سبيل التهكم: صار فرعون مذكراً. وهذا منه، فإنَّ فرعون في زعمه يخاف على الناس أن يضلَّهم موسى عليه السلام!
{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}، أي عذت بالله ولجأت إليه واستجرت بجنابه من أن يسطو فرعون وغيره عليَّ بسوء وقوله {مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ}، أي جبار عنيد لا يرعوي ولا ينتهي ولا يخاف عذاب الله وعقابه، لأنه لا يعتقد معاداً ولا جزاء. ولهذا قال: {مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}.
{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ، يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.
وهذا الرجل هو ابن عم فرعون، وكان يكتم إيمانه من قومه خوفاً منهم على نفسه، وزعم بعض الناس أنه كان إسرائيلياً وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظاً ومعنى والله أعلم.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا، والذي جاء من أقصى المدينة، وامرأة فرعون. رواه ابن أبي حاتم.
قال الدارقطني: لا يعرف من اسمه شمعان - بالشين المعجمة - إلا مؤمن آل فرعون. حكاه السهيلي.
وفي تاريخ الطبراني: أن اسمه "خير" فالله أعلم.
والمقصود أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه فلمّا همّ فرعون - لعنه الله - بقتل موسى عليه السلام وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه خاف هذا المؤمنُ على موسى فتلطّف في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب، فقال على وجه المشورة والرأي.
وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" وهذا من أعلى مراتب هذا المقام، فإن فرعون لا أشد جوراً منه وهذا الكلام لا أعدل منه لأن فيه عصمة نبيّ ويحتمل أنه كاشفهم بإظهار إيمانه، وصرَّح لهم بما كان يكتمه، والأول أظهر والله أعلم.
قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ} أي من أجل أنه قال ربي الله، فمثل هذا لا يقابل بهذا بل بالإكرام والاحترام والموادعة وترك الانتقام.
يعني لأنه {قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} أي بالخوارق التي دلت على صدقه فيما جاء به عمن أرسله، فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامة لأنه {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} ولا يضركم ذلك {وَإِنْ يَكُ صَادِقاً}
وقد تعرضتم له {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} أي وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به فكيف بكم إن حل جميعه عليكم؟
وهذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطّف والاحتراز والعقل التام.
وقوله: {يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ} يحذّرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز فإنّه ما تعرضت الدول للدين الا سلبوا ملكهم وذلوا بعد عزهم!.
وكذا وقع لآل فرعون، ما زالوا في شك وريب ومخالفة ومعاندة لما جاءهم موسى به، حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك والدور والقصور والنعمة والحبور، ثم حولوا إلى البحر مهانين، ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل السّافلين.
ولهذا قال هذا الرجل المؤمن المصدّق البار الراشد التابع للحق الناصح لقومه الكامل العقل: {يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ} أي عالين على الناس حاكمين عليهم، {فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة والقوة والشدة لما نفعنا ذلك ولا رد عنا بأس مالك الممالك.
{قَالَ فِرْعَوْنُ} أي في جواب هذا كله {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى} أي ما أقول لكم إلا ما عندي {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.
وكذب في كلِّ من هذين القولين وهاتين المقدمتين، فإنه قد كان يتحقق في باطنه وفي نفسه أن هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة، وإنما كان يظهر خلافه بغياً وعدواناً وعتواً وكفراناً.
قال الله تعالى، إخباراً عن موسى: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنْ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا، وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إسرائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}.
وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}.
وأما قوله: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ} فقد كذب أيضاً فإنه لم يكن على رشاد من الأمر بل كان على سفه وضلال وخبل وخبال، فكان أولا ممن يعبد الأصنام والأمثال. ثم دعا قومه الجهلة الضُّلال إلى أن اتبعوه وطاعوه وصدقوه فما زعم من الكفر المحال في دعواه أنه رب تعالى الله ذو الجلال. قال الله تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ، فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ، فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ}.
وقال تعالى: {فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى، فَكَذَّبَ وَعَصَى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى، فَحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد، يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ، وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ}.
والمقصود بيان كذبه في قوله: {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى} وفي قوله: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَاد}.
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَاب، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ، وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِي، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ، الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}.
يحذرهم ولي الله إن كذبوا برسول الله موسى أن يحل بهم ما حل بالأمم من قبلهم من النقمات والمثلات، مما تواتر عندهم وعند غيرهم، ما حل بقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم إلى زمانهم، ذلك مما أقام به الحجج على أهل الأرض قاطبة في صدق ما جاءت به الأنبياء لما انزل من النقمة بمكذبيهم من الأعداء، وما أنجى الله من اتبعهم من الاولياء، وخوّفهم يوم القيامة وهو يوم التناد، أي حين ينادي الناس بعضهم بعضاً، حين يولون مدبرين إن قدروا على ذلك ولا إلى ذلك سبيل {يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ، كَلا لا وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} وقال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
وقرأ بعضهم {يَوْمَ التَّنَادِي} بتشديد الدال أي يوم الفرار، ويحتمل أن يكون يوم القيامة، ويحتمل أن يكون يوم يحل الله بهم البأس فيودون الفرار، ولات حين مناص. {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ، لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}.
ثم أخبرهم عن نبوة يوسف في بلاد مصر ما كان منه من الاحسان إلى الخلق في دنياهم وأخراهم، وهذا من سلالته وذريته، ويدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته، وأن لا يشركوا به أحداً من بريته، وأخبر عن أهل الديار المصرية في ذلك الزمان، أي من سجيتهم التكذيب بالحق ومخالفة الرّسل، ولهذا قال: {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا} أي وكذبتم في هذا ولهذا قال: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ، الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} أي يريدون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيده بلا حجة ولا دليل عندهم من الله، فإنّ هذا أمر يمقته الله غاية المقت، أي يبغض من تلبس به من الناس ومن اتصف به من الخلق {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} قرئ بالاضافة وبالنعت، وكلاهما متلازم أي هكذا إذا خالفت القلوب الحق - ولا تخالفه الا بلا برهان - فإن الله يطبع عليها أي يختم عليها بما فيها.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ}.
كذّّبَ فرعونُ موسى عليه السلام في دعواه أن الله أرسله، وزعم فرعون لقومه ما كذبه وافتراه في قوله لهم {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} وقال هاهنا: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} أي طرقها ومسالكها {فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} ويحتمل هذا معنيين: أحدهما: واني لأظنه كاذباً في قوله: إن للعالم رباً غيري، والثاني في دعواه أن الله أرسله. والأولّ أشبه بظاهر حال فرعون، فانه كان ينكر ظاهر إثبات الصّانع، والثاني أقرب إلى اللفظ حيث قال: {فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} أي فاسأله هل أرسله أم لا: {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا} أي في دعواه ذلك. وإنما كان مقصود فرعون أن يصد الناس عن تصديق موسى عليه السلام وأن يحثهم على تكذيبه.
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ} وقرئ: {وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ}.
قال ابن عباس ومجاهد: يقول الا في خسار، أي باطل لا يحصل له شيء من مقصوده الذي رامه، فانه لا سبيل للبشر أن يتوصلوا بقواهم إلى نيل السماء أبداً - أعني السماء الدنيا - فكيف بما بعدها من السماوات العلى؟ وما فوق ذلك من الارتفاع الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل. وذكر غير واحد من المفسرين أن هذا الصرح وهو القصر الذي بناه وزيره هامان له لم ير بناء أعلى منه وان كان مبنياً من الآجر المشوي بالنار ولهذا قال: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا}.
وعند أهل الكتاب: أن بني إسرائيل كانوا يسخرون في ضرب اللبن، وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يساعدون على شيء مما يحتاجون إليه فيه، بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه وتبنه وماءه، ويطلب منهم كل يوم قسط معين إن لم يفعلوه وإلاّ ضربوا وأهينوا غاية الاهانة وأذوا غاية الأذية. ولهذا قالوا لموسى: {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}. فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط، وكذلك وقع، وهذا من دلائل النبوة.
ولنرجع إلى نصيحة المؤمن وموعظته واحتجاجه.
قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
يدعوهم رضي الله عنه إلى طريق الرشاد والحق، وهي متابعة نبي الله موسى وتصديقه فيما جاء به من عند ربه، ثم زهدهم في الدنيا الدنية الفانية المنقضية لا محالة، ورغّبهم في طلب الثواب عند الله الذي لا يضيع عمل عامل لديه، القدير الذي ملكوت كل شيء بيديه الذي يعطي على القليل كثيراً، ومن عدله لا يجازي على السيئة إلا مثلها. وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار التي من وافاها - مؤمناً قد عمل الصالحات - فلهم الدرجات العاليات والغرف الآمنات والخيرات الكثيرة الفائقات والأرزاق الدائمة التي لا تبيد. والخير الذي كل ما لهم منه في مزيد.
ثم شرع في إبطال ما هم عليه وتخويفهم مما يصيرون إليه فقال: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}.
كان يدعوهم إلى عبادة رب السماوات والأرض الذي يقول للشيء كن فيكون، وهم يدعونه إلى عبادة فرعون الجاهل الضالّ الملعون!
ولهذا قال لهم على سبيل الانكار: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ}.
ثم بين لهم بطلان ما هم عليه من عبادة ما سوى الله من الأنداد والأوثان وأنها لا تملك من نفع ولا إضرار فقال: {لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} أي لا تملك تصرفا ولا حكما في هذه الدار فكيف تملكه يوم القرار؟ وأما الله عز وجل فانه الخالق الرازق للأبرار والفجار، وهو الذي أحيا العباد ويميتهم ويبعثهم فيدخل طائعهم الجنة وعاصيهم إلى النار.
ثم توعدهم إن هم استمروا على العناد بقوله: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.
قال الله: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} أي بإنكاره سلم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم بالله ومكرهم في صدهم عن سبيل الله مما أظهروا للعامة من الخيالات والمحالات التي لبسوا بها على عوامهم وطغامهم ولهذا قال: {وَحَاقَ} أي أحاط {بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} أي تعرض أرواحهم في برزخهم صباحاً ومساء على النار {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}، وقد تكلمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر في التفسير ولله الحمد.
والمقصود أن الله تعالى لم يهلكهم إلا بعد إقامة الحجج عليهم وإرسال الرسول إليهم وازاحة الشبه عنهم وأخذ الحجة عليهم منهم فبالترهيب تارة والترغيب أخرى، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ}.
يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون وهم قومُه من القبط بالسنين، وهي أعوام الجدب التي لا يستغل فيها زرع ولا ينتفع بضرع، وقوله {وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ} وهي قله الثمار من الأشجار {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي فلم ينتفعوا ولم يرتدعوا بل تمردوا واستمروا على كفرهم وعنادهم {فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ} والخصب ونحوه {قَالُوا لَنَا هَذِهِ} أي هذا الذي نستحقه وهذا الذي يليق بنا {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} أي يقولون هذا بشؤمهم أصابنا هذا ولا يقولون في الأول انه بركتهم وحسن مجاورتهم لهم ولكن قلوبهم منكرة مستكبرة نافرة عن الحق اذا جاء الشر أسندوه إليه، وإن رأوا خيراً ادعوه لأنفسهم. قال الله تعالى: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ}أي الله يجزيهم على هذا أوفر الجزاء {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون}.
{وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي مهما جئتنا به من الآيات - وهي الخوارق للعادات - فلسنا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نطيعك ولو جئتنا بكل آية، وهكذا أخبر الله عنهم في قوله {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ}.
قال الله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} أما الطوفان فعن ابن عباس هو كثرة الأمطار المتلفة للزروع والثمار. وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك وعن ابن عباس وعطاء: هو كثرة الموت، وقال مجاهد: الطوفان الماء والطاعون على كل حال، وعن ابن عباس: أمر طاف بهم.
وقد روى ابن جرير وابن مردويه من طريق يحيى بن يمان، عن المنهال بن خليفة، عن الحجاج، عن الحكم بن ميناء، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم "الطوفان الموت" وهو غريب.
وأما الجراد فمعروف، وقد روى أبو داود عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله عن الجراد؟ فقال: "أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه". وتَرَك النبي صلى الله عليه وسلم أكله إنما هو على وجه التقذّر له، كما ترك أكل الضب، وتنزه عن أكل البصل والثوم والكراث، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفي قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد. وقد تكلمنا على ما ورد فيه من الأحاديث والآثار في التفسير.
والمقصود أنه استاق خضراءهم فلم يترك لهم زرعاً، ولا ثماراً ولا سبداً ولا لبداً. وأما القمل فعن ابن عباس: هو السوس، الذي يخرج من الحنطة، وعنه: انه الجراد الصغار الذي لا أجنحة له. وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة. وقال سعيد بن جبير والحسن: هو دواب سود صغار. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم القمل هي البراغيث. وحكى ابن جرير عن أهل العربية أنها الحمنان، وهو صغار القردان فوق القمامة فدخل معهم البيوت والفرش فلم يقر لهم قرار ولم يمكنهم معه الغمض ولا العيش. وفسره عطاء بن السائب بهذا القمل المعروف. وقرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف.
وأما الضفادع فمعروفة، لبستهم حتى كانت تسقط في أطعمتهم وأوانيهم، حتى إن أحدهم إذا فتح فاه (لطعام أو شراب) سقطت فيه ضفدعة من تلك الضفادع.
وأما الدم فكان قد مزج ماؤهم كله به فلا يستقون من النيل شيئا إلا وجدوه دماً عبيطاً، ولا من نهر ولا بئر ولا شيء إلا كان دماً في السَّاعة الراهنة.
هذا كله لم ينل بني إسرائيل من ذلك شيء بالكلية. وهذا من تمام المعجزة الباهرة والحجة القاطعة أن هذا كله يحصل لهم من فعل موسى عليه السلام، فينالهم عن آخرهم، ولا يحصل هذا لأحد من بني إسرائيل، وفي هذا أدل دليل.
قال محمد بن إسحاق: فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوباً مغلولاً ثم أبى إلا الاقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله بالآيات فأخذه بالسنين فأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادع ثم الدم آيات مفصلات، فأرسل الطوفان - وهو الماء - ففاض على وجه الأرض ثم ركد. لا يقدرون على أن يحرثوا، ولا أن يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعاً.
فلما بلغهم ذلك: {قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسرائِيلَ}. فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلما لم فلما لم يفوا به بشيء فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني حتى أن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم القمل، فذكر لي أن موسى عليه السلام أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم، فضربه بها فانثال عليهم قملاً، حتى غلب على البيوت والأطعمة، ومنعهم النوم والقرار.
فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له، فدعا ربه فكشف عنهم فلما لم يفوا بشي مما قالوا أرسل عليهم الضَّفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية فلا يكشف أحد ثوباً ولا طعاماً إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه.
فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دماً لا يستقون من بئر ولا نهر يغترفون من إناء إلاّ عاد دما عبيطاً. وقال زيد بن أسلم: المراد بالدم الرعاف. رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسرائِيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ، فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}.
يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم واستمرارهم على الضّلال والجهل والاستكبار عن إتباع آيات الله وتصديق رسوله مع ما أيَّده به من الآيات العظيمة الباهرة والحجج البليغة القاهرة التي أراهم الله إياها عيانا وجعلها عليهم دليلا وبرهاناً.
وكلما شاهدوا آية وعاينوها وجهدهم وأضنكهم حلفوا وعاهدوا موسى لئن كشف عنهم هذه ليؤمنن به وليرسلن معه من هو من حزبه، فكلما رفعت عنهم تلك الآية عادوا إلى شرٍّ مما كانوا عليه وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا اليه فيرسل الله عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها وأقوى فيقولون فيكذبون، ويعدون ولا يفون: {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسرائِيلَ} فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل، ثم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل.
هذا والعظيم الحليم القدير ينظرهم ولا يعجل عليهم، ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد إليهم، ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم، والانذار إليهم أخذ عزيز مقتدر فجعلهم عبرة ونكالاً وسلفا لمن أشبههم من الكافرين، ومثلاً لمن اتعظ بهم من عباده المؤمنين.
كما قال تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين في سورة حم والكتاب المبين: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ، وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ، وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ، فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ، فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ}.
يذكر تعالى إرساله عبده الكليم الكريم إلى فرعون الخسيس اللئيم وأنه تعالى أيد رسوله بآيات بينات واضحات تستحق أن تقابل بالتعظيم والتصديق وأن يرتدعوا عما هم فيه من الكفر ويرجعوا إلى الحق والصراط المستقيم، فإذا هم منها يضحكون وبها يستهزئون وعن سبيل الله يصدون، وعن الحق ينصرفون، فأرسل الله عليهم الآيات تترى يتبع بعضها بعضا، وكلّ آية أكبر من التي تتلوها لأنَّ التوكيد أبلغ مما قبله.
{وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ}.
لم يكن لفظ السّاحر في زمنهم نقصاً ولا عيبا لأن علماءهم في ذلك الوقت هم السَّحرة ولهذا خاطبوه به في حال احتياجهم إليه وضراعتهم لديه قال الله تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُون}.
ثم أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها وتخرق الأنهار فيها، وهي الخلجانات التي يكسرونها أيام زيادة النيل، ثم تبجح بنفسه وحليته وأخذ يتنقّص رسول الله موسى عليه السلام ويزدريه بكونه {وَلا يَكَادُ يُبِينُ} يعني كلامه بسبب ما كان في لسانه من بقية تلك اللثغة التي هي شرف له وكمال وجمال، ولم تكن مانعة له أن كلمه الله تعالى وأوحى إليه وأنزل بعد ذلك التوراة عليه.
وتنقّصه فرعون - لعنه الله - بكونه لا أساور في يديه ولا زينة عليه، وانما ذلك من حلية النساء لا يليق بشهامة الرجال، فكيف بالرسل الذين هم أكمل عقلا وأتم معرفة وأعلى همة وأزهد في الدنيا، وأعلم بما أعد الله لأوليائه في الأخرى؟.
وقوله {أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} لا يحتاج الأمر إلى ذلك إن كان المراد أن تعظمه الملائكة، فالملائكة يعظمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام، بكثير، كما جاء في الحديث "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع" فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم عليه الصلاة والتسليم والتكريم!.
وان كان المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيد من المعجزات بما يدل قطعاً لذوي الألباب ولمن قصد إلى الحق والصواب ويعمى عما جاء به من البينات والحجج والواضحات من نظر إلى القشور وترك لب اللباب وطبع على قلبه ربُّ الأرباب وختم عليه بما فيه من الشك والارتياب كما هو حال فرعون القبطي العمي الكذاّب.
قال الله تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} أي استخف عقولهم ودرجهم من حال إلى حال إلى أن صدّقوه في دعواه الربوبية لعنه الله وقبحهم {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، فَلَمَّا آسَفُونَا} أي أغضبونا {انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي بالغرق والاهانة وسلب العز والتبدل بالذل وبالعذاب بعد النعمة والهوان بعد الرفاهية والنار بعد طيب العيش عياذاً بالله العظيم وسلطانه القديم من ذلك.
{فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا} أي لمن اتبعهم في الصفات {وَمَثَلا} أي لمن اتعظ بهم وخاف من وبيل مصرعهم ممن بلغه جلية خبرهم وما كان من أمرهم كما قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِين، وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ، وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ}.
يخبر تعالى أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق وادعى ملكهم الباطل ووافقوه عليه وأطاعوه فيه اشتد غضب الرب القدير العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع عليهم فانتقم منهم أشد الانتقام، واغرقه هو وجنوده في صبيحة واحدة فلم يفلت منهم أحد ولم يبق منهم ديار، بل كل قد غرق فدخل النار وأتبعوا في هذه الدار لعنة بين العالمين، ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ويوم القيامة هم من المقبوحين.
لما تمادى قبط مصر على كفرهم وعتوهم وعنادهم متابعة لملكهم فرعون ومخالفة لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام؛ وأقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحير العقول، وهم مع ذلك لا يرعون ولا ينتهون ولا ينزعون ولا يرجعون.
ولم يؤمن منهم إلا القليل؛ قيل: ثلاثة، وهم امرأة فرعون ولا علم لأهل الكتاب بخبرها، ومؤمن آل فرعون الذي تقدّمت حكاية موعظته ومشورته وحجته عليهم، والرجل الناصح الذي جاء يسعى من أقصى المدينة، فقال: {قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ}.
قاله ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم عنه، ومراده غير السّحرة فانهم كانوا من القبط.
وقيل: بل آمن به طائفة من القبط من قوم فرعون، والسحرة كلهم، وجميع شعب بني إسرائيل. ويدل على هذا قوله تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ}.
فالضمير في قوله {إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ}، عائد على فرعون لأنّ السّياق يدل عليه. وقيل؛ على موسى لقربه، والأول أظهر كما هو مقرر في التفسير
وإيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون وسطوته وجبروته وسلطته ومن ملئهم أن ينمّوا عليهم إليه فيفتنهم عن دينهم.
قال الله تعالى مخبرا عن فرعون وكفى بالله شهيداً {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ} أي جبار عنيد مشتغل بغير الحق {وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ} أي في جميع أموره وشئونه وأحواله، ولكنه جرثومة قد حان انجعافها وثمرة خبيثة قد آن قطافها، ومهجة ملعونة قد حتم إتلافها.
وعند ذلك قال موسى: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} فأمرهم بالتوكل على الله والاستعانة به والالتجاء إليه، فأتمروا بذلك، فجعل الله لهم مما كانوا فيه فرجاً ومخرجاً.
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ}.
أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يتخذا لقومهما بيوتاً متميزة فيما بينهم عن بيوت القبط ليكونوا على أهبة من الرحيل إذا أمروا به ليعرف بعضهم بيوت بعض، وقوله {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} قيل مساجد، وقيل معناه كثرة الصلاة فيها.
قاله مجاهد وأبو مالك وابراهيم النخعي والربيع والضحاك وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن وغيرهم.
ومعناه على هذا الاستعانة على ما هم فيه من الضر والشدة والضيق بكثرة الصلاة كما قال تعالى {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلّى.
وقيل: معناه أنهم لم يكونوا حينئذ يقدرون على إظهار عبادتهم في مجتمعاتهم ومعابدهم فأمروا أن يصلوا في بيوتهم عوضا عما فاتهم من إظهار شعار الدين الحق في ذلك الزمان الذي اقتضى حالهم إخفاءه خوفا من فرعون وملئه. والمعنى الأول أقوى لقوله {وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} وإن كان لا ينافي الثاني أيضا والله أعلم.
وقال سعيد بن جبير: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي متقابلة.
{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ، قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}.
هذه دعوة عظيمة دعا بها كليم الله موسى على عدو الله فرعون غضبا لله عليه لتكبّره عن اتّباع الحقِّ وصدِّه عن سبيل الله ومعاندته وعتوّه وتمرّده واستمراره على الباطل ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسي والمعنوي والبرهان القطعي، فقال: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ} يعني قومه من القبط ومن كان على ملته ودان بدينه {زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} أي وهذا يغتر به من يعظم أمر الدنيا فيحسب الجاهل أنهم على شيء لكن هذه الأموال وهذه الزّينة من اللباس والمراكب الحسنة الهنية والدور الأنيقة والقصور المبنية والمآكل الشهية والمناظر البهية والملك العزيز والتمكين والجاه العريض في الدنيا لا الدين.
{رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} قال ابن عباس ومجاهد: أي أهلكها. وقال أبو العالية والربيع بن أنس والضحاك: اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت. وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم صارت حجارة. وقال محمد بن كعب: جعل سُكَّرهم حجارة. وقال أيضاً: صارت أموالهم كلها حجارة. ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له: قم ايتني بكيس فجاءه بكيس فاذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} قال ابن عباس: أي اطبع عليها. وهذه دعوة غضب لله تعالى ولدينه ولبراهينه.
فاستجاب الله تعالى لها وحققها وتقبلها. كما استجاب لنوح في قومه حيث قال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا} ولهذا قال تعالى مخاطباً لموسى حين دعا على فرعون وملئه وأمَّن أخوه هارون على دعائه فنزل ذلك منزلة الداعي أيضاً{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}.
قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب: استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيد لهم فأذن لهم وهو كاره، ولكنهم تجهزوا للخروج وتأهبوا له، وإنما كان في نفس الأمر مكيدة بفرعون وجنوده ليتخلّصوا منهم ويخرجوا عنهم.
وأمرهم الله تعالى - فيما ذكره أهل الكتاب - أن يستعيروا حليّا منهم فأعاروهم شيئا كثيراً، فخرجوا بليلٍ فساروا مستمرّين ذاهبين من فورهم طالبين بلاد الشّام فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق واشتد غضبه عليهم، وشرع في استحثاث جيشه وجمع جنوده لتلحقهم ويمحقهم.
قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ، فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إسرائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
قال علماء التفسير: لما ركب فرعون في جنوده طالبا بني إسرائيل يقفوا أثرهم، كان في جيش كثيف عرمرم، حتى قيل كان في خيوله مائه ألف فحل أدهم، وكانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف وستمائة ألف فالله أعلم. وقيل: إن بني إسرائيل كانوا نحواً من ستمائه ألف مقاتل غير الذرية، وكان بين خروجهم من مصر صحبة موسى عليه السّلام ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمائة سنة وستاً وعشرين سنة شمسية.
والمقصود أن فرعون لحقهم بالجنود فأدركهم عند شروق الشمس وتراءى الجمعان ولم يبق ثَمَّ ريب ولا لبس وعاين كلٌّ من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه ولم يبق إلا المقاتلة والمجاولة والمحاماة فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون: إنا لمدركون، وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر، فليس لهم طريق ولا محيد الا سلوكه وخوضه. وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه، والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم وهي شاهقة منيفة، وفرعون قد غالقهم وواجههم، وعاينوه في جنوده وجيوشه وعَدَدِهِ وعُدَدِه وهم منه في غاية الخوف والذعر لما قاسوا في سلطانه من الاهانة والمكر.
فشكوا إلى نبي الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه، فقال لهم الرسول الصَّادق المصدوق {كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي} وكان في الساقة فتقدم إلى المقدمة ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه ويتزايد زبد أجاجه وهو يقول: هاهنا أمرت، ومعه أخوه هارون ويوشع بن نون وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل وعلمائهم وعبّادهم الكبار، وقد أوحى الله اليه وجعله نبياً بعد موسى وهارون عليهما السّلام كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله، ومعهم أيضا مؤمن آل فرعون وهم وقوف وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف ويقال: إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مراراً في البحر هل يمكن سلوكه فلا يمكن، ويقول لموسى عليه السلام: يا نبي الله أههنا أمرت. فيقول نعم.
فلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد الأمر واقترب فرعون وجنوده في جدهم وحدّهم وحديدهم وغضبهم وحنقه وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير ربُّ العرش الكريم إلى موسى الكليم {أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} فلما ضربه يقال إنه قال له انفلق باذن الله، ويقال إنه كناه بأبي خالد فالله أعلم.
قال الله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} ويقال: إنه انفلق اثنتي عشرة طريقا لكل سبط طريق يسيرون فيه، حتى قيل: إنه صار أيضا شبابيك ليرى بعضهم بعضا. وفي هذا نظر لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه.
وهكذا كان ماء البحر قائماً مثل الجبال مكفوفاً بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشيء: كن فيكون وأمر الله تعالى ريح الدَّبُور فلفحت حال البحر فأذهبته حتى صار يابساً لا يعلق في سنابك الخيولِ والدوابِّ.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ، وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى}.
والمقصود أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الرب العظيم الشديد المحال أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين ويهدي قلوب المؤمنين فلما جازوه وجاوزوه وخرج أخرهم منه وانفصلوا عنه كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ووفودهم عليه.
فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال كما قال وهو الصادق في المقال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ، أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِي، وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِي، فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ، فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ، وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ، كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ، وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إسرائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنْ الْمُسْرِفِينَ، وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَآتَيْنَاهُمْ مِنْ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ}.
فقوله تعالى {وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا} أي ساكنا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة. قاله عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع والضحاك وقتادة وكعب الاحبار وسماك بن حرب وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.
فلما تركه على هيئته وحالته وانتهى فرعون فرأى ما رأى وعاين ما عاين هاله هذا المنظر العظيم وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم فأحجم ولم يتقدم، وندم على نفسه على خروجه في طلبهم والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم، لكنه أظهر لجنوده تجلّداً وعاملهم معاملة العدا، وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه وعلى باطله تابعوه: أنظروا كيف أنحسر البحر لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي الخارجين عن طاعتي وبلدي؟ وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم ويرجو أن ينجو، وهيهات، يقدم تارة ويحجم تارات!.
فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدّى في صورة فارسٍ راكب على رَمَكَةٍ حائل فمر بين يدي فحل فرعون لعنه الله فحمحم إليها وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحر واستبق الجواد، وقد أجاد فبادر مسرعاً هذا، وفرعون لا يملك من نفسه ضراً ولا نفعاً، فلما رأته الجنودُ قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا في أجمعين أكتعين أبصعين، حتى هم أولهم بالخروج منه، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان فلما ينج منهم إنسان.
قال الله تعالى: {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} أي في إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد، وإغراقه أعداءه فلما يخلص منهم أحد آية عظيمة، وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة: وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشّريعة الكريمة والمناهج المستقيمة.
وقال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إسرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}.
يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة وترفعه أخرى، وبنوا إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ماذا أحلّ الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم، ليكون أقرّ لأعين بني إسرائيل وأشقى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به وباشر سكرات الموت أناب حينئذ، وتاب وآمن حين لا ينفع نفساً إيمانها كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ}.
وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}.
وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه أن يطمس على أموالهم ويشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. أي حين لا ينفعهم ذلك ويكون حسرة عليهم، وقد قال تعالى لهما، أي لموسى وهارون حين دعوا بهذا: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هارون عليهما السلام.
ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمه، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما قال فرعون {آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرائِيلَ} قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة".
ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم عند هذه الآية من حديث حماد بن سلمة وقال الترمذي حديث حسن.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال لي جبريل لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسُّه في فم فرعون مخافة أن تناله الرحمة".
ورواه الترمذي وابن جرير من حديث شعبة وقال الترمذي حسن غريب صحيح، وأشار ابن جرير في رواية إلى وقفه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال لما أغرق الله فرعون أشار بأصبعه ورفع صوته {آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرائِيلَ}، قال فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه فجعل يأخذ الحال بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه ورواه ابن جرير من حديث أبي خالد به.
وقد رواه ابن جرير من طريق كثير بن زاذان وليس بمعروف. وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال لي جبريل عليه السلام: يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدس في الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له!" يعني فرعون.
وقد أرسله غير واحد من السلف كابراهيم التيمي وقتادة وميمون بن مهران، ويقال: إن الضحاك بن قيس خطب به الناس، وقي بعض الروايات إن جبريل قال ما بغضت أحداً بغضي لفرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى ولقد جعلت أدس في فيه الطين حين قال ما قال.
وقوله تعالى: {أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ} استفهام إنكار ونص على عدم قبوله تعالى منه ذلك لأنه - والله أعلم - لو رد إلى الدنيا كما كان لعاد إلى ما كان عليه كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عاينوا النار وشاهدوها أنهم يقولون: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} قال الله {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وقوله {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}.
قال ابن عباس وغير واحد: شك بعض بني إسرائيل في موت فرعون حتى قال بعضهم إنه لا يموت، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع. قيل على وجه الماء وقيل على نجوة من الأرض وعليه درعه التي يعرفونها من ملابسه ليتحققوا بذلك هلاكه ويعلموا قدرة الله عليه. ولهذا قال: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي مصاحباً درعك المعروفة بك {لِتَكُونَ} أي أنت آية {لِمَنْ خَلْفَكَ} أي من بني إسرائيل ودليلاً على قدرة الله الذي أهلكه. ولهذا قرأ بعض السلف لتكون لمن خلفك آية. ويحتمل أن يكون المراد ننجيك مصاحباً لتكون درعك علامة لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وإنك هلكت والله أعلم. وقد كان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء.
كما قال الامام البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟". فقالوا هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أنتم أحق بموسى منهم فصوموا" وأصل هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما والله أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق