الأحد، 22 سبتمبر 2013

ذكر مولد إسماعيل عليه السلام من امه هاجر

  قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة، وان الله بشَّره بذلك، وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد المقدس عشرون سنة، قالت سارة لإبراهيم عليه السلام، إن الرب قد حرمني الولد، فادخل على أمتي هذه، لعل الله يرزقني منها ولداً. فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام، فحين دخل بها حملت منه، قالوا: فلما حملت ارتفعت نفسها، وتعاظمت على سيدتها، فغارت منها سارة، فشكت ذلك إلى إبراهيم، فقال: لها افعلي بها ما شئت، فخافت هاجر فهربت، فنزلت عند عين هناك، فقال لها ملك من الملائكة، لا تخافي فإنَّ الله جاعلٌ من هذا الغلام الذي حملت خيراً، وأمرها بالرجوع، وبشَّرها أنها ستلد ابناً، وتسمية إسماعيل، ويكون وحش الناس، يده على الكل ويد الكل به، ويملك جميع بلاد اخوته، فشكرت الله عز وجل على ذلك. وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه الذي به سادت العرب، وملكت جميع البلاد غرباً وشرقاً، وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تُؤْتَ أُمّةٌ من الأمم قبلهم، وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل، وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به، وعموم بعثته لجميع أهل الأرض. ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل عليه السلام. قالوا: وولدته ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة. ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة، فخر لله ساجداً، وقال له وقد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ويمنته جداً كثيراً، ويولد له اثنا عشر عظيماً. وأجعله رئيساً لشعب عظيم. وهذه أيضاً بشارة بهذه الأمة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيماً هم الخلفاء الراشدون الاثنا عشر المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"يكون اثنا عشر أميراً" ثم قال كلمة لم أفهمها، فسألت أبي ما قال؟ قال: "كلهم من قريش" أخرجاه في "الصحيحين". وفي رواية "لا يزال هذا الأمر قائماً" وفي رواية (عزيزاً حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).   فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضاً. ومنهم بعض بني العباس وليس المراد أنهم يكونون اثني عشر نسقاً بل لا بد من وجودهم. وليس المراد الأئمة الأثني عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة الذين أولهم علي بن أبي طالب وأخرهم المنتظر بسرداب سامرّا وهو مُحَمْد بن الحسن العسكري فيما يزعمون، فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من علي وابنه الحسن بن علي، حين ترك القتال وسلم الأمر لمعاوية، وأخمد نار الفتنة، وسكن رحى الحرب بين المسلمين، والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الأمة في أمر من الأمور. وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذلك هوَسٌ في الرؤوس، وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر. والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل واشتدت غيرة سارة منها، وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها فسارَ بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم. ويقال إنَّ ولدها كان إذ ذاك رضيعاً. فلما تركهما هناك وولّى ظهره عنهما، قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا هاهنا، وليس معنا ما يكفينا؟ فلم يجبها، فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها، قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت فإذاً لا يضيّعنا. وقد ذكر الشيخ أبو مُحَمْد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب النوادر: أن سارة غضبت على هاجر، فحلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها، فأمرها الخليل أن تثقب أذنيها، وأن تخفضَها فتبر قسمَها. قال السهيلي: فكانت أول من اختتن من النساء، وأول من ثقبت أذنها منهن، وأول من طوّلت ذيلها.

ذكر مولد إسماعيل عليه السلام من امه هاجر

  قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة، وان الله بشَّره بذلك، وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد المقدس عشرون سنة، قالت سارة لإبراهيم عليه السلام، إن الرب قد حرمني الولد، فادخل على أمتي هذه، لعل الله يرزقني منها ولداً. فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام، فحين دخل بها حملت منه، قالوا: فلما حملت ارتفعت نفسها، وتعاظمت على سيدتها، فغارت منها سارة، فشكت ذلك إلى إبراهيم، فقال: لها افعلي بها ما شئت، فخافت هاجر فهربت، فنزلت عند عين هناك، فقال لها ملك من الملائكة، لا تخافي فإنَّ الله جاعلٌ من هذا الغلام الذي حملت خيراً، وأمرها بالرجوع، وبشَّرها أنها ستلد ابناً، وتسمية إسماعيل، ويكون وحش الناس، يده على الكل ويد الكل به، ويملك جميع بلاد اخوته، فشكرت الله عز وجل على ذلك. وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه الذي به سادت العرب، وملكت جميع البلاد غرباً وشرقاً، وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تُؤْتَ أُمّةٌ من الأمم قبلهم، وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل، وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به، وعموم بعثته لجميع أهل الأرض. ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل عليه السلام. قالوا: وولدته ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة. ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة، فخر لله ساجداً، وقال له وقد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ويمنته جداً كثيراً، ويولد له اثنا عشر عظيماً. وأجعله رئيساً لشعب عظيم. وهذه أيضاً بشارة بهذه الأمة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيماً هم الخلفاء الراشدون الاثنا عشر المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"يكون اثنا عشر أميراً" ثم قال كلمة لم أفهمها، فسألت أبي ما قال؟ قال: "كلهم من قريش" أخرجاه في "الصحيحين". وفي رواية "لا يزال هذا الأمر قائماً" وفي رواية (عزيزاً حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).   فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضاً. ومنهم بعض بني العباس وليس المراد أنهم يكونون اثني عشر نسقاً بل لا بد من وجودهم. وليس المراد الأئمة الأثني عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة الذين أولهم علي بن أبي طالب وأخرهم المنتظر بسرداب سامرّا وهو مُحَمْد بن الحسن العسكري فيما يزعمون، فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من علي وابنه الحسن بن علي، حين ترك القتال وسلم الأمر لمعاوية، وأخمد نار الفتنة، وسكن رحى الحرب بين المسلمين، والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الأمة في أمر من الأمور. وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذلك هوَسٌ في الرؤوس، وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر. والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل واشتدت غيرة سارة منها، وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها فسارَ بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم. ويقال إنَّ ولدها كان إذ ذاك رضيعاً. فلما تركهما هناك وولّى ظهره عنهما، قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا هاهنا، وليس معنا ما يكفينا؟ فلم يجبها، فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها، قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت فإذاً لا يضيّعنا. وقد ذكر الشيخ أبو مُحَمْد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب النوادر: أن سارة غضبت على هاجر، فحلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها، فأمرها الخليل أن تثقب أذنيها، وأن تخفضَها فتبر قسمَها. قال السهيلي: فكانت أول من اختتن من النساء، وأول من ثقبت أذنها منهن، وأول من طوّلت ذيلها.

ذكر قصة أسماعيل عليه السلام

وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا، ولكن أشهرهم الأخوان النبيان العظيمان الرسولان أسنهما وأجلهما، الذي هو الذبيح على الصحيح إسماعيل بكر إبراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام، من العظيم الخليل. ومن قال: إن الذبيح هو إسحاق فأنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدّلوْا وحرّفوا وأوّلوا التوراة والإنجيل، وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل. فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر. وفي رواية الوحيد.   وأيا ما كان فهو إسماعيل بنص الدليل، ففي نص كتابهم إن إسماعيل ولد، ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة. وإنما ولد إسحاق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل، فإسماعيل هو البكر لا محالة، وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة. أما في الصورة فلأنه كان ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة، وأم أنه وحيد في المعنى فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر، وكان صغيراً رضيعاً فيما قيل، فوضعهما في وهاد جبال فاران، وهي الجبال التي حول مكة، نعم المقيل، وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل، وذلك ثقة بالله وتوكلاً عليه، فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته، فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل. فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى، ولكن أين من يتفطّن لهذا السِّر، وأين من يحل بهذا المحل، والمعنى لا يدركه ويحيط بعلمه إلاّ كل نبيه نبيل. وقد أثنى الله تعالى عليه فوصفه بالحلم والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والأمر بها لأهله، ليقيهم العذاب مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الأرباب. قال الله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ} فطاوع أباه على ما إليه دعاه، ووعده بأن سيصبر فوفى بذلك وصبر على ذلك. وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيّاً، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً}. وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ} وقال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنْ الصَّابِرِينَ، وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنْ الصَّالِحِينَ} وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} الآية. وقال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} الآية. ونظيرتها من السورة الأخرى. وقال تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ}. الآية. فذكر الله عنه كل صفة جميلة وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون. وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون. وذكر علماء النسب وأيام الناس: أنه أول من ركب الخيل وكانت قبل ذلك وحوشاً فأنسَّها وركبها. وقد قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه حَدَّثَنا شيخ من قريش، حَدَّثَنا عبد الملك بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتّخذوا الخيل واعتقبوها فإنها ميراث أبيكم إسماعيل". وكانت هذه العراب وحوشاً فدعا لها بدعوته التي كان أعطي فأجابته. وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم، والعماليق وأهل اليمن من الأمم المتقدمين من العرب قبل الخليل. قال الأموي: حدثني علي بن المغيرة، حَدَّثَنا أبو عبيدة، مسمع ابن مالك عن مُحَمْد بن علي بن الحسين، عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة"، فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار، هكذا أبو جرى حدثني. وقد قدمنا أنه تزوج لما شبَّ امرأة من العماليق، وأن أباه أمره بفراقها ففارقها. قال الأموي: هي عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليق. ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها، وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وقيل هذه ثالثة فولدت له اثني عشر ولدا ذكراً. وقد سمّاهم مُحَمْد بن إسحاق رحمه الله، وهم نابت، وقيذر وازبل، وميشى، ومسمع، وماش، ودوصا، وآرر، ويطور، ونبش، وطيما، وقيذما. وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم. وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيماً المبشر بهم المتقدم ذكرهم. وكذبوا في تأويلهم ذلك. وكان إسماعيل عليه السلام رسولاً إلى أهل تلك الناحية، وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلوات الله وسلامه عليه. ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق وزوج ابنته نسمة من ابن أخيه العيص بن إسحاق، فولدت له الروم. ويقال لهم بنو الأصفر لصفرةٍ كانت في العيص. وولدت له اليونان في أحد الأقوال. ومن ولد العيص الأشبان قيل منهما أيضاً. وتوقف ابن جرير رحمه الله. ودفن (نبي الله) إسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر، وكان عمره يوم مات مائة وسبعاً وثلاثين سنة. وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: شكى إسماعيل عليه السلام إلى ربه عز وجل حرَّ مكة، فأوحى الله إليه أنى سأفتح لك باباً إلى الجنَّة، إلى الموضع الذي تدفن فيه يجري عليك روحها إلى يوم القيامة. وعربُ الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار.

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

    ذكر بناية البيت العتيق

  قال الله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}. وقال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِين، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}. وقال تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. يذكرُ تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء إبراهيم عليه السلام أنه بنى البيت العتيق، الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس، يعبدون الله فيه وبوّأه الله مكانه، أي أرشده إليه ودلّه عليه. وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره أنه أرشد إليه بوحي من الله عز وجل. وقد قدمنا في صفة خلق السماوات، أن الكعبة بحيال البيت المعمور، بحيث أنه لو سقط لسقط عليها، وكذلك معابد السماوات السبع، كما قال بعض السلف: إن في كل سماء بيتاً يعبد الله فيه أهل كل سماء، وهو فيها ككعبة لأهل الأرض. فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام، أن يبني له بيتاً يكون لأهل الأرض، كتلك المعابد لملائكة السماوات، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له، المعين لذلك منذ خلق السماوات والأرض، كما ثبت في "الصحيحين": "أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة".   ولم يجئ في خبر صحيح، عن معصوم، أن البيت كان مبنيّاً قبل الخليل عليه السلام. ومن تمسك في هذا بقوله {مَكَانَ الْبَيْتِ} فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر في علم الله المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم. وقد ذكرنا أن آدم نصبَ عليه قُبّةً وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يوماً، أو نحو ذلك، ولكن كل هذه الأخبار عن بني إسرائيل. وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة. وقد قال الله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}. أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذي ببكة. وقيل محل الكعبة {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} أي على أنه بناء الخليل والد الأنبياء ممن بعده، وإمام الحنفاء من ولده، الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته، ولهذا قال: {مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} أي الحِجْر الذي كان يقف عليه قائماً لما ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لمّا تعالى البناء، وعظم الفناء، كما ذكر في حديث ابن عبَّاس الطويل. وقد كان هذا الحَجَرُ ملصقاً بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخّره عن البيت قليلاً، لئلا يشغل المصلّين عنده الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا، فإنّه قد وافقه ربه في أشياء، منها قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وقد كانت آثار قدميّ الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإسلام. وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة: وثورٍ ومنْ أرسى ثَبيراً مكانَهُ ** وراقَ ليرٌقى في حِراء ونازِل وبالبيتِ حقّ البيت من بطنِ مكة وباللهِ إنّ الله ليس بغافِل وبالحجرِ المسودّ إذ يمسحّونه ** إذِ اكتنفوهُ بالضّحى والأَصائل وموطئ إبراهيمَ في الصّخر رطبة ** على قدميهِ حَافياً غيرَ ناعل يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت، على قدر قدمه حافية لا منتعلة، ولهذا قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} أي في حال قولهما: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فهما في غاية الإخلاص والطاعة لله عز وجل، وهما يسألان من الله عز وجل السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في وادٍ غير ذي زرع، ودعا لأهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات، مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرماً محرماً، وآمنا محتما. فاستجاب الله وله الحمد له مسألته، ولبّى دعوته وآتاه طلبته فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا}.   وسأل الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم، أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة، لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة الأولى والآخرة. وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولاً، وأي رسول ختم به أنبياءه ورسله، وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحداً قبله وعمّ بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة، وكان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء لشرفه على نفسه وكمال ما أرسل به، وشرف بقعته وفصاحة لغته، وكمال شفقته على أمته، ولطفه ورحمته وكريم محتده، وعظيم مولده وطيب مصدره ومورده. ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام إذ كان باني الكعبة لأهل الأرض، أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السماوات، ورفيع الدرجات عند البيت المعمور، الذي هو كعبة أهل السماء السابعة المبارك المبرور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه. ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور. وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت، وما ورد في ذلك من الأخبار والآثار بما فيه الكفاية، فمن أراد فليراجعه ثم. ولله الحمد. فمن ذلك ما قاله السُّدِّي: لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت، ثم لم يدريا أين مكانه؟ حتى بعث الله ريحاً يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، وذلك حين يقول تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ}. فلما بلغا القواعد وبنيا الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي الحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء، مثل النعامة، وكان آدم هبط به من الجنَّة فاسّود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن. فقال: يا أبتي من جاءك بهذا؟ قال جاء به مَنْ هو أنشط منك. فبنيا وهما يدعوان الله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. وذكر ابن أبي حاتم: أنه بناه من خمسة أجبل، وأن ذا القرنين، وكان ملك الأرض إذ ذاك، مر بهما وهما يبنيانه، فقال: من أمركما بهذا؟ فقال إبراهيم: الله أمرنا به، فقال: وما يدريني بما تقول؟ فشهدت خمسة اكبش أنه أمره بذلك، فآمن وصدق. وذكر الأزرقي: أنه طاف مع الخليل بالبيت. وقد كانت على بناء الخليل مدة طويلة، ثم بعد ذلك بنتها قريش، فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال، مما يلي الشام على ما هي عليه اليوم. وفي "الصحيحين" من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سالم: أن عبد الله بن مُحَمْد بن أبي بكر أخبر عن ابن عمر، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألم ترَ أن قومِك حين بنوا الكعبةَ اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت، وفي رواية: لولا أنّ قومَك حديثو عهد بجاهلية، أو قال: بكفرٍ لأنفقتُ كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر". وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه، على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما أخبرته به خالته عائشة أم المؤمنين عنه، فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنعَ ذلك من تلقاء نفسه، فأمر بردِّها إلى ما كانت عليه فنقضوا الحائطَ الشاميَّ وأخرجوا منها الحجر، ثم سدّوا الحائطَ وردَمُوا الأحجارَ في جوفِ الكعبة، فارتفع بابها الشرقي وسدُّوا الغربي بالكلية، كما هو مشاهد إلى اليوم. ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا، وتأسّفوا أن لو كانوا تركوه وما تولّى من ذلك. ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشار الإمام مالك بن أنس في ردّها على الصفة التي بناها ابن الزبير فقال، له: إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة. يعني كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد، فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم.